محمد متولي الشعراوي
5955
تفسير الشعراوى
وسئل واحد : إنك تقول : من رأى فلانا الصالح « 1 » يهده اللّه . فردّ عليه السامع متسائلا : كيف تقول ذلك ؟ ! فردّ القائل : لقد رأى أبو جهل خيرا من هذا ، ومع ذلك ظل كافرا . فردّ السامع : إن أبا جهل لم ير محمدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولكنه رأى يتيم أبى طالب « 2 » . وهكذا شرح الرجل أن أبا جهل لم ينظر إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم على أنه رسول ؛ لأنه لو نظر إليه بهذا الإدراك لتسللت إليه سكينة الإيمان وهيبة الخشوع وجلال الورع . ونحن قد نلقى رجلا صالحا في بشرته أدمة « 3 » أو سواد ، وصلاحه يضئ حوله ، وله أسر « 4 » من التقوى ، وجاذبية الورع . ولو أن أبا جهل رأى محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم على أنه رسول لتغيّر أمره . وها هو « فضالة » « 5 » يحكى عن لحظة أراد فيها أن يقتل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يطوف بالبيت عام الفتح ، فلما اقترب منه ؛ قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ماذا كنت تحدّث به نفسك ؟ قال : لا شئ ، كنت أذكر اللّه . قال : فضحك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم قال : استغفر اللّه ، ثم وضع يده على صدر فضالة . وساعة سمع فضالة هذا ، ورأى محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يقول ذلك القول ، قال : ما كان أبغض إلىّ من وجهه ، ولكني أقبلت عليه فما كان أحبّ
--> ( 1 ) إن رؤية الصالحين فيها جذب إيماني ؛ لأن الرائي يرى نور الإيمان يناديه ، فيلاقيه ، ويلتقى به . أما رؤية أبى جهل فهي رؤيا انقطاع إيماني ؛ لأن استقباله للإيمان مقطوع ، فلم ير نورا ، ولم يحس به ، وإنما كانت رؤيته من خلال الحقد الذي جعله لا يرى في رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلا يتيما لابن أبي طالب ، وذلك بخلاف موقف فضالة الذي أحسن بالنور فأحبه . ( 2 ) ذكر القرطبي في تفسيره ( 4 / 3232 ) أن المشركين قالوا : ما وجد اللّه من يرسله إلا يتيم أبى طالب . ( 3 ) الأدمة في الناس : السمرة الشديدة ، وقيل : هي من أدمة الأرض ، وهو لونها ، وبه سمى آدم أبو البشر - عليه السّلام . [ اللسان : مادة ( أدم ) ] . ( 4 ) الأسر : السّمت الذي يستولى على مشاعر المحيطين به . ( 5 ) هو : فضالة بن عمير بن الملوح الليثي .